msoq2
لا لماركس & سبنسر

لا للصهيونية

120994
الجمعة,حزيران 13, 2008




ماركس آند سبنسر




عبدالله القفاري___ جريدة الرياض
    في نهاية الستينيات الميلادية وخلال عقد السبعينيات.. كانت المقاطعة العربية للشركات الغربية التي تتعامل مع الكيان الصهيوني في أوجها.. وكان شعار المقاطعة قد أخضع للتطبيق في الدول العربية.. وقلما شذ قطر عربي عن خيار المقاطعة باعتباره خياراً استراتيجياً اقتصادياً وسياسياً فعالاً في مواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة.. خاصة بعد هزيمة العرب المذلة في حزيران عام .1967.حيث تراجعت إلى حد كبير خطط التحرير العسكري المباشر من قبل الأنظمة العربية المحيطة بالكيان الصهيوني.. والمحتلة أراضيها آنذاك.. إلى حدود تفعيل سلاح المقاومة الشعبية الفلسطينية المتمثلة آنذاك ببروز حركة فتح على ساحة النضال الفلسطيني وحتى حدود المقاطعة الاقتصادية ـ التي مهما قيل عن محدودية تأثيرها ـ فقد أوجعت الشركات الغربية المعنية .. خاصة بعد تنامي أهمية النفط العربي وتنامي دخول المنطقة العربية من عائدات النفط وازدهار القوة الشرائية والتعاقدية فيها.

لقد كان الطلاب العرب المندمجين في قضاياهم في بريطانيا ـ على سبيل المثال ـ في نهاية الستينيات وخلال فترة السبعينيات يحملون بشدة على عرب الخليج وعلى غيرهم مما لا يستهويهم التسوق في لندن دون المرور على محلات ماركس آند سبنسر ولا يخفي الكثيرون أن تلك السلسلة المشهورة من المحلات يملكها يهود صهاينة وليست شخصية اللورد سيف المشهورة آنذاك والذي كان يرأس مجلس إدارة تلك الشركة.. والذي كان يصرح علناًَ بتأييده التام لإسرائيل وتبرعه الدائم المستقطع من أرباح تلك الشركة لصالح الكيان الصهيوني بخافية.. عندها كانت الأصوات الشريفة التي تحذر من دخول تلك المحلات تعلو على أصوات السياح العرب المتخمة جيوبهم بالمال.. لقد كان كثير من العرب يخجلون من دخول تلك المحلات.. ويشعر بعضهم بالعار وبالخيانة عندما يتسوق في مراكز تجارية يملكها يهود من ذوي الانتماءات الصهيونية ومن الداعمين الكبار للكيان الإسرائىلي.

يا ترى ما الذي حدث اليوم حتى نستقبل محلات ماركس آند سبنسر بهذه النشوة الغريبة وكأنه فتح جديد نستقبل به هذا العقد الكئيب.. في زمن يذبح فيه الفلسطينيون ويضطهد فيه العرب ويحاصر فيه أطفالهم وشيوخهم وتترامى عليهم كل معاني الذلة والمسكنة.. ما هو الجديد في تلك المحلات والمراكز.. حتى تظهر علينا انباء تبشرنا بأن شركة وطنية تعتزم افتتاح بضعة فروع في السعودية لمحلات ماركس آند سبنسر.. هل تخلت هذه الشركة عن صهيونيتها.. أم أنها لم تكن ذات يوم متهمة بدعم الصهيونية إنما هي فرية افتراها بعض العرب لإلحاق الأذى بالإنجليز الطيبين.. أم أن الشركة لم تعد مملوكة لأصحابها القدماء ممن عرفوا بيهوديتهم ودعمهم للصهاينة.. وبالتالي أصبحت تلك المحلات محررة من عقدة الصهينة ودعم إسرائيل.. يا ترى ما الذي حدث حتى تصبح تلك المحلات مصدراً كبيراً للمنافسة بين 95من رجال الأعمال والشركات السعودية كلها تريد الظفر بهذا الاسم لتفوز بغنيمة سوق استهلاكي شره لكل شيء؟.

تقول الأنباء أن سلسلة محلات ماركس آند سبنسر حققت العام الماضي أرباحاً وصلت إلى 2700مليون ريال.. يا ترى كم كان نصيب إسرائيل من تلك الأرباح، من شركة كانت تتهم بشكل صريح بأنها تدعم الكيان الصهيوني باستقطاع جزء من أرباحها لصالحه.؟ وإذا كنا اليوم نواجه حملة شعبية تنمو وتضمر تطالب بمقاطعة الشركات الأمريكية شعبياً واستبدال منتجاتها ببدائل أخرى تتوفر بالأسواق المحلية في سبيل الضغط الرأسمالي على تلك الشركات، وهو ما يستهين به البعض ويذهب إلى أنه لا يمثل شيئاً أمام حركة الأسواق العالمية، حيث تكتسح تلك الشركات بقاع العالم.. فإنه على أقل تقدير يعني موقفا اخلاقياً، كان ينبغي أن يستمر ويتنامى باعتباره معبراً عن حركة شعبية نضالية صامتة ترفض الظلم وتتصدى للقهر، ولا تحفل بكل المظاهر الوافدة لتسويق بضاعة أمريكية في بلاد لم يعد أهلها يحترمون هذا الوجود أو يشعرون تجاهه بأي نوع من الود.. في مقابل دعم لا ينقطع للكيان الإسرائيلي الذي مازال يمارس أبشع صنوف القهر والتجويع والعزل والافناء للشعب العربي الفلسطيني.

المقاطعة سلاح فعال على المستوى الشعبي بعد أن فقدت بريقها التضامني الحكومي أمام همجية العولمة واتفاقات التجارة الحرة وملاحق اوسلو المذلة.. انها البديل المحترم الذي لا يعني أن يفقد البعض شيئاًِ من وسائل الرفاه.. ولا أن يتنازل عن حاجاته لبعض منتجات الغرب.. كل ما في الأمر أن يرفض اقتناء بضاعة من مصدر ما ويستبدلها بأخرى تعبيراً عن السخط والغضب والرفض.. انها مقاومة شعبية لا تكلف الكثير.. انها تجلب فقط الاحترام للنفس.. وتجعلنا نشعر بأننا نملك ذراتنا وأننا غير قابلين للذوبان في وسط الجموع الميتة ضميراً والمستلبة ذهنياً على مقولات ثابتة تستخدم الأرقام والاحصاءات المالية المكرورة في سبيل التهوين والاستخفاف بكل موقف يسجله الإنسان العربي المقموع، حتى ليبدو هذا القمع يتجاوز حاجاته الكبرى إلى خياراته الشخصية البسيطة فيما يقتني وفيما يلبس وفيما يأكل. يا ترى إلى أي مدى بلغ موت أو خفوت المقاومة الداخلية في ذوات بعض الأفراد حتى صار لا عاصم من وازع ديني أو مانع أخلاقي أو نخوة أمام اغواء المال في نفوس تملك منه الكثير.

اليوم خَفُت الحديث عن أي نوع من المقاطعة للشركات الأمريكية أو الغربية التي لا تخفي حكوماتها دعمها لإسرائيل.. إلا اننا مازلنا نتساءل عن سر هذا التهافت على تحويل مجتمعنا إلى مجتمع استهلاكي بامتياز شره.. وها هي محلات ماركس آند سبنسر على قائمة الشركات التي تأتينا بعد عقود من الممانعة التي تحسب للقيادة والشعب من الذوبان في بريق تجارة.. لا تعني اليوم أكثر من أننا سنظل سوقاً مفتوحة لكل الشركات العالمية والماركات الشهيرة وغير الشهيرة.. والمحلات ذات البريق التسويقي الاخاذ.. انهم يحدثوننا اليوم عن سوق استهلاكية كبيرة تصل مبيعاتها إلى 600مليون ريال من محلات ماركس آند سبنسر والتي لا تعرف ماذا يمكن أن تعني للناس.. وهل يدرك الناس منشأ تلك السلسلة من المحلات.. وماذا عن وضعها الآن؟ من يملكها؟ من يديرها؟ من يتحكم في مواردها؟... وحتى لو سلمنا بإجابات تخرج هذه المحلات ـ الأصل ـ اليوم من دائرة الملكية اليهودية والدعم المعروف للصهاينة في إسرائيل.. ما هي الإضافة الاقتصادية الحقيقية لماركس آند سبنسر في مجتمع يواجه تحديات كبيرة ليس تكريس انماط الاستهلاك الشره غير المنتج سوى احداها.. لماذا تحو ل مجتمعنا خلال سنوات قليلة إلى مجتمع من المستهلكين الشرهين لكل شيء.. وكيف تحولت الأنماط الاستهلاكية من حدود الحاجة إلى حمى البحث عن الماركات الشهيرة من المقتنيات الكمالية.. وكيف يمكن فهم ذلك في ظروف تتوجه فيه الدولة إلى تشجيع الاستمثار المنتج والسعي إلى جلب رؤوس الأموال من الخارج في عمليات استثمارية منتجة وفعالة لدعم الاقتصاد الوطني..

كيف تتحول مدينة مثل الرياض ـ على سبيل المثال ـ إلى سوق كبرى مفتوحة على كل ماركات الصناعة العالمية.. في مسلسل يكرس ثقافة الاستهلاك ويضغط على جيوب البسطاء وغير البسطاء الذين يُعشي بصرهم ما يُمر به مستوردو تلك السلع كل الفضاءات من بريق الدعاية والإعلان.. ويغذي ثقافة استهلاكية ضارة تحيد بناء الشخصية الوطنية السوية المنتجة إلى شخصية هلامية استهلاكية تقيس إمكانات الناس بما يركبون وما يلبسون وأي ماركات يستخدمون.

لا أفهم أن تغلق ماركس آند سبنسر أكثر من 26فرعاً في أوروبا لتفتح المزيد من الفروع لدينا.. هل أصبحنا أكثر قدرة شرائية من أوروبا.. أم أن هناك تسهيلات جديدة قدمتها الشركة الأم للشركة الوطنية الحاضنة.

الخبر المنشور عن الشركة الوطنية التي فازت بالاتفاق الأخير مع الشركة الأم المالكة لمحلات ماركس آند سبنسر يؤكد على لسان أحد الشركاء السعوديين المساهمين في الشركة الجديدة التي ستتولى مهمة افتتاح هذه الفروع أن تلك المراكز ستستقطب قدرات الشباب السعودي في عمليات الإدارة والمبيعات مما يساهم في دعم قدرات الاقتصاد الوطني والتوجه بعمليات السعودة.. من العجيب أن بضعة محلات لا تستوعب العشرات من الباعة يستغلها أصحاب بعض الشركات للحديث عن السعودة في وقت تزخر فيه مراكز تجارية قائمة تستوعب المئات من الموظفين بكل الأجناس العربية من البائعين عدا السعوديين.. أما حكاية الإدارة السعودية فهي لا تحتاج إلى عناء الرد لأن الخبرات السابقة والمشهودة تدحض مثل هذه التمنيات.. ولو لم تدحضها فهي تعد بتوفير فرص وظيفية قليلة وتحتاج لخبرات خاصة لا اعتقد أن خمسة فروع لماركس آند سبنسر ستوفرها.. من المضحك أن نجد أن الاخوة العرب وغير العرب من الباعة هم من تكتظ بهم كل محلات الملابس والهدايا والعطورات.. دون أن نشهد تغييراً يذكر في تلك التركيبة منذ عقود.. لنأتي لنتحدث عن دعم عملية الاقتصاد الوطني والسعودة من خلال بضعة بائعين أو إداريين سيتولون العمل في محلات ماركس آند سبنسر.

المشروعات الوطنية الكبرى من مصانع ومعامل ومؤسسات إنتاجية معمرة.. هي التي يعول عليها في أحداث المزيد من فرص العمل .. لا المشروعات الاستهلاكية التي تعتمد على الاستيراد والبيع المباشر لسلع كمالية تزيد من أعباء الاقتصاد الوطني ولا تشكل إضافة حقيقية لهذا الاقتصاد الذي عليه أن يبتدع طرقاً جديدة لإعادة استثمار المال الوطني من حدود المشروعات الاستهلاكية المباشرة التي تعتمد على تسويق منتج مستورد بطريقة مباشرة وتلقيدية إلى محاولة بناء مشروعات منتجة ومعمرة وقابلة للتطور والتحسين يديرها أبناء البلاد ويعمل في خطوط إنتاجها أبناء البلاد ويسوقها أبناء البلاد..

لماذا تتحول البلاد إلى سوق استهلاكية شرهة.. لمصلحة من تتراكم المراكز التجارية بشكل غير مسبوق.. وتنتشر فرص الاستهلاك لكل شيء بطريقة لا تعرفها أكثر مدن العالم اكتظاظاً بالبشر.. لماذا نصبح مجالاً خصباً لتسويق منتجات وماركات عالمية مشهورة لا نعرف من يملك حصتها من أولئك الغربيين ومن يدعم منهم إسرائيل وما هو العائد الحقيقي على اقتصاد بلادنا الذي مازال ريعيا بالدرجة الأولى.. ولمصلحة من تشيع ثقافة الاستهلاك التي خرجت هذا الإنسان في دواخلنا.. وإحالته إلى رقم وماركة وسيارة وتذكرة سفر لمنتجع أوروبي.




msoq2